السيد عبد الأعلى السبزواري
76
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
والنهي عن القعود معهم يشمل عدم إعانتهم بالأولوية ، أو المراد ذلك بالمنطوق ، كما عن بعض المفسّرين ، ويدلّ على ذلك أيضا قوله تعالى : وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ [ سورة المائدة ، الآية : 2 ] كما دلّت عليها روايات كثيرة ذكرناها في المكاسب المحرمة من كتاب ( مهذب الأحكام ) . وقد خصّصت القاعدة بموارد كالاضطرار ، والتقيّة لحفظ النفس الّتي هي من باب تقديم الأهمّ على غيره ، وهدايتهم إلى الحقّ وغير ذلك ممّا هو مذكور في محلّه . وفي قوله تعالى : إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ دلالة واضحة على وجوب النهي عن المنكر إن توفّرت شروطه من القدرة وزوال العذر والتأثير ، وإلّا فإنّ من رضي بمنكر رآه وخالط أهله كان شريكهم في الإثم وإن لم يفعل ، وأنّ ترك المنكر مع القدرة على رفعه وتوفّر سائر شروطه ، ذنب عظيم وخطيئة كبيرة . وقيل : يستفاد من الآية المباركة أنّه يجوز مجالستهم في غير ما ذكر في الآية الشريفة من الاستهزاء والخوض في آيات اللّه تعالى ، كما لو خاضوا في حديث غيره ، لأنّ ( حتّى ) غاية للتحريم . لكن الأخبار الواردة في المقام تدلّ على وجوب الإعراض عن الكفّار المستهزئين ، وتحريم الميل إليهم ، ففي معتبرة عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : « لا تصحبوا أهل البدع ولا تجالسوهم فتصيروا عند الناس كواحد منهم » ، ومثلها غيرها . وإنّما اقتصر عزّ وجلّ في قوله تعالى : وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [ سورة الأنعام ، الآية : 68 ] على النهي عن القعود ، وذكر في هذه الآية الكريمة في هذه السورة إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ ؛ لأنّ سورة الأنعام مكيّة ، وإنّما كان المسلمون في مكّة عاجزين عن الإنكار ، فكان تركهم له لعجزهم ، وأمّا الآية الّتي في سورة النساء ، فقد نزلت والمسلمون يقدرون على الإنكار ، فإذا لم